الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

107

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

على طريقة الإيجاز . والتقدير : فرجعوا إلى أبيهم فقالوا ذلك الكلام الذي لقّنه إيّاهم ( روبين ) قال أبوهم : بَلْ سَوَّلَتْ . . . إلخ . وقوله هنا كقوله لهم حين زعموا أن يوسف - عليه السّلام - أكله الذئب ، فهو تهمة لهم بالتغرير بأخيهم . قال ابن عطية : ظنّ بهم سوءا فصدق ظنّه في زعمهم في يوسف - عليه السّلام - ولم يتحقق ما ظنّه في أمر بنيامين ، أي أخطأ في ظنه بهم في قضية ( بنيامين ) ، ومستنده في هذا الظن علمه أن ابنه لا يسرق ، فعلم أن في دعوى السرقة مكيدة . فظنه صادق على الجملة لا على التفصيل . وأما تهمته أبناءه بأن يكونوا تمالئوا على أخيهم بنيامين فهو ظن مستند إلى القياس على ما سبق من أمرهم في قضية يوسف - عليه السّلام - فإنه كان قال لهم : هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ سورة يوسف [ 64 ] . ويجوز على النبي الخطأ في الظنّ في أمور العادات كما جاء في حديث ترك إبّار النخل . ولعله اتّهم روبين أن يكون قد اختفى لترويج دعوى إخوته . وضمير بِهِمْ ليوسف - عليه السّلام - وبنيامين وروبين . وهذا كشف منه إذ لم ييأس من حياة يوسف - عليه السّلام - . وجملة إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ تعليل لرجائه من اللّه بأن اللّه عليم فلا تخفى عليه مواقعهم المتفرقة . حكيم فهو قادر على إيجاد أسباب جمعهم بعد التفرق . [ 85 - 86 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 84 إلى 87 ] وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ( 84 ) قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ( 85 ) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 86 ) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ( 87 ) انتقال إلى حكاية حال يعقوب - عليه السّلام - في انفراده عن أبنائه ومناجاته نفسه ، فالتولي حاصل عقب المحاورة . و تَوَلَّى : انصرف ، وهو انصراف غضب . ولمّا كان التولّي يقتضي الاختلاء بنفسه ذكر من أحواله تجدد أسفه على يوسف - عليه السّلام - فقال : يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ والأسف ؛ أشد الحزن ، أسف كحزن .